الاثنين، 13 فبراير 2017

تدوين السنة النبوية

عندما استقر المسلمون في المدينة، أمر الرسول الكريم ﷺ الأولاد أن يتعلموا القراءة والكتابة في مسجد حيهم. وكان في المدينة في زمن الرسول ﷺ تسعة مساجد. واهتم الكتّابُ في أول الأمر بكتابة القرآن، فكان ذلك يأخذ معظم وقتهم. وحديث رسول الله كثير لا يتوقف، فله في كل حادثة قول، وفي معظم آيات كتاب الله شرح وتفسير، فلم يكن لدى الكتّاب الوقتُ لتدوين جميع ما يقوله عليه السلام أو يعمله أو يقره.
وقد منع الرسول ﷺ كتابة الأحاديث أولَ نزول الوحي، حتى تختلط بالقرآن الكريم. ثم أُذن لبعض الصحابة بالكتابة حتى تساعد الكتابةُ على الحفظِ. وأكثر الذين كتبوا الأحاديث سجلوا ما جمعوه في السنوات الأخيرة من حياته عليه السلام. مون أشهر الصحف المكتوبة في العصر النبوي ((الصحيفة الصادقة)) التي كتبها عبدُ الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ وقد اشتملت على ألف حديث. وكذلك صحف عبد الله بن عباس، الذي كتب الكثير من سنة الرسول وسيرته في ألواح كان يحملها معه في مجالس العلم.
وفي عهد الخلفاء الراشدين، أمر أبو بكر بجمع القرآن، واهتم عثمان بنسخه وإرساله إلى جميع البلاد الإسلامية. ولم يكتبوا الأحاديث حتى ينشغل بها الناس عن القرآن. وظل التابعون حتى آخر المائة الأولى (آخر القرن الأول الهجري) يمتنعون عن كتابة السنة. حتى جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز وأمر رسميا بتدوين الحديث، وكتب بذلك إلى الولاة في كل البلاد، لأنه خاف الذهاب أهل العلم، وانتشار بعض الأحاديث غير الصحيحة، ومن أشهر كتب الحديث الأولى ((موطأ)) مالك إمام مدينة و((مُسند)) أحمد بن حنبل ولم تُدون السنةُ حسب الأبواب إلا في عصر البخاري. وفي هذا العصر ألّف العلماء الكتبَ الستة الصحيحة (البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود وابن ماجه والنسائي).
ولم يكتف رواة الحديث بأخذ العلم من أهل بلدهم، ولا بأخذه من المدينة المنورة وحدَها. ولكن خرجوا في رحلات طويلة إلى البلاد البعيدة يطلبون الأحاديث، واستطاعوا أن يدرسوا على يد الجيل الأول من الرواة. وكان الراوي يسافر الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد. وكان من الرواة من يمشي عاى رجليه ومنهم من تبدأ رحلتُه وهو في الخامسة عشرة أو في العشرين من عمره ومنهم من يبقى في الرحلة أكثر من عشر سنوات.
وفي القرن السادس الهجري أنشأ نور الدين محمد بن سعيد زِنْكِي أول دارٍ للحديث في دمشق، ثم قام الملك الأيوبي الكامل ناصر الدين دارا للحديث في القاهرة ستة 626 ه. وهكذا قلت الحاجةُ إلى الرحلة في طلب الحديث. ورغم ذلك ظل كثيرٌ من طلاب الحديث يفضّلون الرحلة والطواف بالبلاد. وكان لهذه الرحلات أثرٌ كبيرٌ في توحيد نص الأحاديث، فتشابهت الروايات في الكتب الصحيحة حول الموضوع الواحد، إلا في بعض الفروق البسيطة، وكان من نتيجة ذلك وحدةُ التشريع.


المصدر: كتاب علوم الحديث ومصطلحه للدكتور صبحي الصالح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق